سيد محمد طنطاوي
73
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
رسولها حين أمرها بالمعروف ، ونهاها عن المنكر . فكانت نتيجة إصرارهم على ارتكاب المعاصي والفواحش . . أن أخذهم اللَّه - تعالى - * ( أَخْذَةً رابِيَةً ) * أي : أخذة زائدة في الشدة - لزيادة قبائحهم - على الأخذات التي أخذ بها غيرهم . فقوله : * ( رابِيَةً ) * مأخوذ من ربا الشيء إذا زاد وتضاعف . وقال - سبحانه - * ( فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ) * ولم يقل رسولهم ، للإشعار بأنهم لم يكتفوا بمعصية الرسول الذي هو بشر مثلهم ، وإنما تجاوزوا ذلك إلى الاستخفاف بما جاءهم به من عند ربهم وخالقهم وموجدهم . والتعبير بالأخذ ، للإشعار بسرعة الإهلاك وشدته ، فإذا وصف هذا الأخذ بالزيادة عن المألوف ، كان المقصود به الزيادة في الاعتبار والاتعاظ لأن هؤلاء جميعا قد أهلكهم - سبحانه - هلاك الاستئصال ، الذي لم يبق منهم باقية . ثم حكى - سبحانه - ما جرى لقوم نوح - عليه السلام - وبين جانبا من مننه ونعمه على المخاطبين ، فقال : * ( إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ . لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) * . وقوله : * ( طَغَى ) * من الطغيان وهو مجاوزة الحد في كل شيء ، والجارية صفة لموصوف محذوف . أي : اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتتعظوا ، ما جرى للكافرين من قوم نوح - عليه السلام - فإنهم حين أصروا على كفرهم ، أغرقناهم بالطوفان ، وحين علا الماء واشتد في ارتفاعه اشتدادا خارقا للعادة . . حملنا آباءكم الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - في السفينة الجارية ، التي صنعها نوح بأمرنا . وحفظناهم - بفضلنا ورحمتنا - في تلك السفينة إلى أن انتهى الطوفان . وقد فعلنا ذلك لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً أي : لنجعل لكم هذه النعمة وهي إنجاؤكم وإنجاء آبائكم من الغرق - عبرة وعظة وتذكيرا بنعم اللَّه - تعالى - عليكم . وهذه النعمة والمنة تَعِيَها وتحفظها أُذُنٌ واعِيَةٌ . أي : أذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه ، وتعى ما يجب وعيه . فقوله : واعِيَةٌ من الوعي بمعنى الحفظ للشيء في القلب . يقال : وعى فلان الشيء يعيه إذا حفظه أكمل حفظ .